@Koksal Kayser

أرامل الشهداء في غزة: قرار الزواج بين الوجع والاختيار ساجدة أبو عودة

في غزة، لا تتخذ القرارات بسهولة، ولا تولد الخيارات حرة.. كل قرار تحمله أرملة شهيد هو قرار مثقل بالفقد، ومحاصر بالظروف، ومحكوم بنظرات المجتمع قبل أن يكون نابعا من القلب.

ومن أكثر القضايا حساسية وتعقيدا مسألة زواج أرامل الشهداء بعد استشهاد أزواجهن؛ قضية يختزل فيها الألم أحيانا في سؤال واحد: لماذا ترفض؟ ولماذا تقبل؟ بينما الحقيقة أعمق بكثير.

هناك من ترفض الزواج رفضا قاطعا، لا عن عناد، بل عن وفاء خالص! امرأة ربطت حياتها برجل لم يكن زوجا فحسب، بل وطنا صغيرا، ورفيق حصار، وشريك خوف.. ترفض لأنها ما زالت ترى صورته في تفاصيل البيت، في وجوه أطفالها، في صوته الذي لم يغادر ذاكرتها؛ فهل الوفاء تهمة؟

وهناك من يطرق بابها رجل متزوج فتغلق الباب، لا كبرياء، بل خشية الانكسار. هي لا تريد أن تكون "ضرة"، ولا أن تدخل حياة تقسم فيها المشاعر، ويقسم فيها الوقت والاهتمام، خاصة بعد أن ذاقت الفقد مرة واحدة، ولا تحتمل فقد كرامتها مرة أخرى.

وهناك من ترفض لأنها اختارت أبناءها.. قررت أن تكون الأم والأب، الحنان والصرامة، السند والملجأ. اختارت أن تكرس ما تبقى من عمرها لتربية أطفال فقدوا أباهم؛ فهل تلام امرأة اختارت أبناء الشهيد على نفسها؟

أرملة الشهيد هذه لم يطرح موضوع الزواج عليها بشكل مباشر، لكنه حاضر دائما كفكرة يفرضها الواقع

الفقد: بداية متاهة لا تنتهي
تصف أرملة شهيد حالتها بعد استشهاد زوجها بأنها "متاهة وحيرة، وإحساس صعب وصفه"؛ فالفقد لم يكن فقد زوج فقط، بل فقد السند وشريك الحياة دفعة واحدة، دون أي مقدمات. تقول: "الحياة انقلبت رأسا على عقب، أبحث عنه في كل موقف وكل طارئ، في حياة أصبحت أواجهها وحدي".

لكن الوجع الأكبر، كما تؤكد، هو السؤال اليومي لطفلتها: "وين بابا؟ بدي ياه.. ليش ربنا أخده؟".. سؤال يتكرر، ولا يملك القلب إجابة تشبه براءة الطفولة.

الزواج بعد الاستشهاد: خيار شخصي تحاصره الظروف
أرملة الشهيد هذه لم يطرح موضوع الزواج عليها بشكل مباشر، لكنه حاضر دائما كفكرة يفرضها الواقع. وهي تؤكد أن قرار الزواج من حيث المبدأ قرار شخصي، إلا أن المجتمع في غزة نادرا ما يتركه كذلك؛ فالقرار تحكمه عوامل كثيرة، منها شخصية المرأة وقابليتها النفسية للفكرة، ووجود الأطفال، ومصير حضانتهم، وضغط الأهل، ونظرة المجتمع للأرملة التي تعيش وحدها

أرامل الشهداء في غزة: قرار الزواج بين الوجع والاختيار  ساجدة أبو عودة